'ويسترن' أردني يستلهم 'لورنس العرب' في مهرجان فنيسيا

16 أيلول, 2014 01:03 م

56 0

'ويسترن' أردني يستلهم 'لورنس العرب' في مهرجان فنيسيا

'ويسترن' أردني يستلهم 'لورنس العرب' في مهرجان فنيسيا

ويبدو الفيلم متأثرا كثيرا بأفلام المخرج الإيطالي الراحل سيرجيو ليوني، في طابعه التجريدي وشخصياته التي صحيح أنها تنتمي إلى المنطقة، ومعظمها من البدو، وتتمسك بتقاليد البدو التي تفرض مثلا ضرورة استقبال الضيف ومساعدته، وضرورة منح الأمان لمن يلجأ إليك طواعية.

إلاّ أن فكرة “النجاة” الفردية تسيطر أيضا على معظم الشخصيات، وخصوصا الطفل “ذيب” الذي يجد نفسه فجأة وحيدا في مواجهة المخاطر وسط الصحراء المكشوفة.

نحن نرى مجموعة من الثوار العرب يظهرون في أحد المشاهد، يعرضون على أبطالنا من البدو المساعدة، كما يعرضون عليهم الانضمام إليهم، لكن بدو هذا الفيلم هم البدو الرحل الذين لم يكونوا يجيدون في تلك الفترة ومن قبلها، سوى مهنة واحدة هي قيادة قوافل الحجاج إلى مكة، كما سيأتي على لسان قاطع الطريق الذي أصبح -كما يقول- قاطعا للطريق بعد أن أصبحت مهنته القديمة مهددة بالزوال، بسبب إنشاء خط السكك الحديدية (سكة حديد الحجاز) الذي أصبح العدو الأساسي لديه ولدى رفاقه من البدو الرحل، وهو يطلق عليه “الحمار الحديد”، فقد تكفل القطار بنقل الحجاج إلى الحجاز بعد أن كانوا يذهبون على ظهور الإبل.

في البداية يهبط ضابط بريطاني ليلا صحبة “دليل” عربي إلى موطن إقامة القبيلة التي ينتمي إليها البطل الصغير “ذيب” (جاسر عيد)، الذي توفي والده مؤخرا، وأصبح يعيش في كنف شقيقه الأكبر “حسين” (حسين سلامة).

وكعادة البدو يستضيفون الرجلين ويقدمون لهما الطعام والشراب، ثم يكلفون “حسين” بمرافقة البريطاني إلى مقصده الغامض.. لكن ذيب مدفوعا برغبته في حب الاستطلاع، يكشف عن وجود جهاز للتفجير من الواضح أن الضابط الأنكليزي جاء به من القاهرة. وهو الآن ربما يرغب في نقله إلى من سيستخدمه في تفجير خط سكة حديد الحجاز وتفجير القطارات التركية التي كانت تنقل العتاد الحربي، وقد يكون مقصده بالتالي هو ضابط المخابرات البريطانية “لورنس” نفسه. وهذه النقطة تحديدا كان من الممكن أن تضيف الكثير إلى الفيلم، لو تابعها السيناريو، بحيث يجعلها تتقاطع مع المسار الأساسي للفيلم، لكن ما يحدث هو أن المخرج ناجي أبونوار وزميله في كتابة السيناريو باسل غندور، فضلا التركيز بشكل أساسي على نمو وعي “ذيب”، وتجسيد شعوره بالوحدة والوحشة، وهو يواجه موقفا عسيرا وحده في الصحراء بعد أن يقتل الأنكليزي، ثم شقيقه على أيدي عصابة من قطاع الطرق.

ويتسلح هو بالمسدس الذي سقط من الضابط الأنكليزي محتميا بالظلام، إلى أن يجد نفسه وجها لوجه مع قاطع الطريق الذي أصيب في ساقه برصاصة أطلقها شقيق ذيب قبل أن يموت.

يتعلم الطفل كيف ينتزع رصاصة من الجسد البشري دون أدوات طبية، بل باستخدام سكين محماة بالنار، واستخدام النار في تهيئة الخبز الجاف، وهو لا يولي ثقته قط بالرجل الذي يصبح ملازما له، رغم حاجته إليه ولو إلى حين.

فهذا الرجل هو من قتل شقيقه غدرا، وإن كان يبرر ذلك بأن “حسين” رفض الاستسلام رغم الفرصة التي أتيحت له. يواجه ذيب تساقط العالم القديم، عالم البدو الرحل، ونهاية قطاع الطرق، بل ونهاية الوجود العثماني في بلاد العرب، ودخول المنطقة حقبة جديدة ستولد بعد أن ينتهي الصراع الدائر.

الفيلم يسرد مغامرة ذيب بكثير من الصدق، سواء في التفاصيل أم في اختيار مواقع التصوير -منطقة وادي رم، حيث صورت بعض مشاهد فيلم “لورنس العرب”-، التي تكثر فيها الجبال المظلمة المخيفة ليلا، وتنتقل المغامرة من مكان إلى آخر، حيث تنشأ المعارك بين الرجال.

كل يبحث عن النجاة، على طريقة رعاة البقر في أفلام “الويسترن” التي تدور في صحراء نيفادا الأميركية. ولكن بينما تكون النجاة من الموت في “الويسترن” الأميركي مرتبطة بالرغبة في الفوز بالذهب ولو على جثث الجميـــع، فالنجاة هنا هدف في حد ذاته.

وعلى حين كان “الويسترن” الأميركي يؤرخ لبداية كيانات جديدة، أي ولايات أميركية تقوم على فكرة الاستيطان والإبادة واستخراج الثروات، يقوم فيلم “ذيب” على تصوير بعض ملامح نهاية نمط قديم من أنماط الحياة في الصحراء، حياة البدو الرحل الذين سيأتي وقت فيما بعد، يحظر عليهم فيها الترحال، ويصبح مطلوبا منهم الاستقرار في مواقع مخصصة لهم.

مغامرة ناجي أبونوار في تصوير الفيلم، لا شك أنها أثمرت فيلما بديعا في تفاصيله البصرية، يتميز بتلقائية الأداء (جميع الممثلين من البدو الحقيقيين، باستثناء الممثل الذي قام بدور الضابط البريطاني)، وبمناظره المثيرة وموسيقاه التي تستلهم من البيئة، والنجاح الكبير في تحريك مجموعة الممثلين غير المحترفين.

ويجيد المخرج التعامل مع اختيار مواقع التصوير، والتحكم في الإضاءة بمساعدة مدير التصوير النمساوي وولفجانج ثالر، الذي سبق أن عمل مع المخرج النمساوي أولريش سيدل في ثلاثيته الشهيرة “الفردوس”.

فوولفجانج ثالر يعود إليه الفضل في تلك الصورة البديعة التي جاء عليها الفيلم، واهتمامه خاصة باللقطات القريبة (كلوز أب)، التي تكشف مشاعر الخوف والقلق لدى الشخصيات، كما تعكس اهتمامه بالعلاقة بين الشخصية والمكان.

في الفيلم كل العناصر التي تجذب المشاهد الغربي: الجمال، الصحراء الممتدة إلى ما لانهاية، مخفر الشرطة العسكرية العثماني -يذكرنا أيضا بـ “لورنس العرب”-، الخناجر القديمة، خبز البدو، الآبار القديمة في الصحراء: هناك بئر مهجور يعود إلى العصر الروماني، عندما يحاول الضابط البريطاني استخدامها للحصول على وعاء من المـاء، يكتشف أنها مليئة بالدماء والجثث!

وفي الفيلم ما يجعله قريبا من المشاهد العربي من زاوية الاهتمام بالمنطقة وتاريخها. الطفل ذيب يصل خلال رحلته نحو اكتساب الوعي، إلى ضرورة قتل الرجل الذي لازمه مرغما أي قاطع الطريق (حسن مطلق)، بعد توجه الأخير إلى القائد التركي في المنطقة ليبيع له ما سرقه من مخلفات الضابط البريطاني بما في ذلك جهاز التفجير، مدعيا أنها ممتلكاته الخاصة. وكأن “ذيب” قد عثر أخيرا على مبرر لقتله بتهمة خيانته للثورة العربية.

مصدر: sarayanews.com

إلى صفحة الفئة

Loading...